مولد “أبو الحسن الشاذلي”.. عيد في الصحراء الشرقية

0

هذا المحتوى من

RNW

فتحية الدخاخني – إذاعة هولندا العالمية – مع بداية شهر ذي الحجة يتوجه الآلاف من أتباع الطرق الصوفية في مختلف محافظات مصر لزيارة مقام أبو الحسن الشاذلي، بالتزامن مع بدء مناسك الحج في الأراضي المقدسة، اعتقادا منهم أن زيارة المنطقة لـ 4 أو خمس مرات تعادل حجة لبيت الله الحرام، فالحج لمن استطاع إليه سبيلا، ومن لم يستطع يمكنه الاكتفاء بزيارة أولياء الله الصالحين ومنهم الشاذلي.

جبل حميثرة
وعلى مدار الأسبوع الماضي احتفل الآلاف من أتباع الطرق الصوفية بمولد ‘سيدي أبو الحسن الشاذلي’، بمشاركة ما يقرب من نصف مليون شخص، عاشوا في وادي حميثرة بمحافظة البحر الأحمر، الذي يقع في أعماق الصحراء الشرقية منقطعين عن الاتصال بالعالم الخارجي، فلا توجد تليفونات أو شبكات محمول بالمكان، وفوق قمة ‘جبل حميثرة’ جلس زوار المقام يصفون الأحجار فوق بعضها البعض، وهم يدعون الله أن يستجيب لآمالهم وأحلامهم وطلباتهم، ويرددون ‘شاذلي يا أبو الحسن’.. و’مدد يا أبو الحسن’ احتفالا بمولد الولي المتصوف أبو الحسن الشاذلي.

طريق طويل وسط الجبال يقطعها زوار المقام وصولا لوادي حميثرة، في منطقة محاطة بالجبال من جميع الجهات، ويتوسط المقام الوادي، وفي الوقت الذي أنشأت فيه الطرق الصوفية خيامها المعتادة احتفالا بالمولد حول المقام، افترش الباعة الجائلون الطريق الترابي بطول الوادي، يبيعون فيها كل شيء من السبح إلى البطاطين إلى الحلوى والحمص ولعب الأطفال، وصور الشاذلي ، ومشايخ الصوفية محولين المنطقة لسوق كبير.

وطوال النهار يتجول الزوار في أرجاء السوق، وعندما يحل الليل تبدأ التواشيح والابتهالات والاحتفالات الدينية، وفور انتهائها يفترش زوار المقام الأرض ليناموا في انتظار اليوم التالي، ومع الساعات الأولى من صباح يوم وقفة عرفة بدأ عدد من زوار الوادي الصعود فوق قمة جبل حميثرة، ورغم وعورة الجبل المليء بالصخور إلا أن كثرة زواره حفرت طرقا ملتوية وممرات يمكن من خلالها الوصول إلى أعلى الجبال.

الدعاء فوق جبل حميثرة
وعلى قمة جبل ‘حميثرة’ جلست الحاجة سماح من ‘فيصل بالجيزة’ وسط أسرتها تبتهل إلى الله قبل تناولها طعام الإفطار عقب آذان المغرب يوم عرفة، وتقول سماح إنها ‘تأتي إلى مولد الشاذلي سنويا منذ عشرين عاما’، مشيرة إلى أنه في السابق كان وادي حميثرة عبارة عن صحراء لا يوجد بها سوى ضريح الإمام أبو الحسن.

وبجانبها جلس مصطفى أبو فضل حسن ، موظف بتفتيش مكافحة مرض البلهارسيا، يضع بعض الطوب فوق بعضه البعض في أكوام، وعندما سألناه عما يفعل قال :’ أبني بيوتا للجنة وبيوت للبنات علشان تتجوز’، ويعتقد أبو فضل أن زيارته للشاذلي 4 أو 5 مرات تعادل حجة، وهو حريص على الصعود إلى قمة جبل حميثرة، لأنه ‘ مكان مقدس وزيارته واجبة ‘ على حد تعبيره.

التبرك بزيارة الأولياء
ومن محافظة القليوبية جاء جمال يوسف وزميله مجدي بحيري مع أتوبيسين سياحيين أقلا أتباع الطريقة البرهامية، في رحلة طافوا خلالها العديد من محافظات مصر لزيارة أولياء الله الصالحين، وصولا إلى وادي حميثرة للاحتفال بمولد الشاذلي، ويقول يوسف :’ رحلتنا تستغرق يومين بليلة نزور خلالها أضرحة في مختلف المحافظات’.

وفي محاولة للدفاع عن التصوف والمتصوفين يقول بحيري :’ الناس تقول عنا ‘مجاذيب’ وهذا غير صحيح نحن نزور أولياء الله الصالحين للتبرك بهم، وإن أغضبت طريقتنا جماعة الإخوان المسلمين والجماعات السلفية.’

بحيري لم يكن الوحيد الذي كان يخشى من اتهام الإعلام له بالجنون أو محاولة تشويه صورة مولد ‘الشاذلي’، فخلال جولتنا في المولد استوقفنا العديد من زوار الضريح، محاولين الدفاع عن طريقتهم في الاحتفال بالمولد، وقال بعضهم :’ البعض يفهم صعودنا إلى جبل حميثرة يوم عرفة بأنه تقليد لصعود الناس إلى جبل عرفة، لأداء فريضة الحج، وهذا غير صحيح’، مؤكدين ان زيارتهم لضريح الشاذلي هي للتبرك والاحتفال بمولده، ولا تغني عن فريضة الحج، ولا يوجد طواف حول الضريح كما يدعي البعض، او رمي للجمرات فوق الجبل، مشيرين إلى أنهم فقط يجمعون الحجارة فوق بعضها البعض في تقليد اعتادوا عليه، أملا في أن يعودوا لزيارة الضريح العام المقبل.

متصوفون من باكستان
المصريون ليسوا وحدهم من يحرصون على زيارة ضريح ‘أبو الحسن الشاذلي’، بل يحرص الكثير من المتصوفة من جميع أنحاء العالم على زيارة الضريح، ومن بينهم شيخ الإسلام محمد طاهر القادري، وهو أحد علماء باكستان البارزين، ومؤسس منظمة منهاج القرآن الكريم العالمية.

ويقول محمد صابر علي، مواطن من باكستان، إن هناك وفد باكستاني يزور الضريح يضم 40 شخصا، مشيرا إلى أنه يأتي كل عام إلى مولد الشاذلي، لأنه من الأولياء المهمين والمعروفين في باكستان.

ويوضح زميله حافظ خليل إن 80% من مسلمي الهند وباكستان متصوفين، وهناك 4 طرق صوفية في باكستان من بينها القادرية والنقشبندية والسهربندية، مشيرا إلى أن الباكستانيين يحتفلون بالموالد كما يحتفل المصريون، ويزورون الأولياء للتبرك بهم والابتهال إلى الله.

حلقات الذكر .. مدد يا أبو الحسن
واصل زوار الضريح جلساتهم فوق الجبل، بينما بدأ آخرون الاحتفال بالمولد في ضريح الشاذلي وطاف مجموعة منهم حول الضريح بالدفوف والزغاريد مرددين ‘ شاذلي يا أبو الحسن’، وحمل آخرون صواني ‘ الحناء’ المضاءة بالشموع، ووزعوا الحناء على النساء والرجال الموجودين داخل الضريح، فيما أقامت الطريقة البرهامية حلقة ذكر داخل الضريح، وأقامت الطريقة الشاذلية حلقات ذكر في ساحة الضريح استمرت حتى الساعات الأولى من فجر أول أيام العيد ، وبجانبها واصل خدام الضريح إعداد الطعام لزوار الضريح، وظلوا يوزعونه على الزوار ، وهم يقولون ‘ خذوا نفحة من الإمام’، واستمر الغناء والذكر ساعات ، قبل أن تطفأ جميع الأنوار لينام زوار الشاذلي ساعتين قبل آذان الفجر.

ومع طلوع فجر أول أيام العيد بدأت الأتوبيسات والسيارات تستعد للرحيل من الوادي، وتم فك الخيام والسرادقات، وتحميل الأدوات فوق السيارات، حيث غادر المئات الوادي بعد أداء صلاة الفجر، فيما انتظر آخرون لأداء صلاة العيد مع سكان قرية أبو الحسن الشاذلي.

والشاذلي هو علي عبد الله بن عبدالجبار المولود بقرية غمارة القريبة من مدينة سبتة المغربية سنة 593 هـ، وينتهي نسبه إلى الإمام الحسن بن على رضي الله عنه، اكتسب لقبه:’الشاذلي’ من قرية شاذلة التي بدا فيها بالوعظ والتعليم، فذاع صيته وعليت شهرته، وقد حكي أنه سأل ربه لم سميت الشاذلي، ولست بشاذلي، فقيل له: يا علي إنما أنت الشاذلي، بتشديد الذال، يعني المفرد لخدمتي ومحبتي، جاء إلى مصر سنة 642 هـ وكثر الأتباع حوله، ليقود جيش الدراويش في الحرب ضد الصليبيين في معركة المنصورة، تحت قيادة شيخ الإسلام: العز بن عبدالسلام، في أواخر حياته يفقد بصره لكنه يظل على حاله الدائم من الحركة والذهاب للحج، ولما كان طريق الشمال الذاهب لمكة قد قطع بسبب الصليبيين، فكان الذهاب للحج يتم عن طريق ميناء عيذاب، في مدينة القصير حاليا على البحر الأحمر، في سنة 656 هـ وافته المنية وهو بقلب الصحراء، عند حميثرة.



حسام فضل



حسام فضل



حسام فضل



حسام فضل



حسام فضل



حسام فضل

نود ان نسمع أرائكم ووجهات نظركم حول هذا الخبر