من قلب إيطاليا (7): المؤامرة !

0

هذا المحتوى من

Goal

النفوس أصناف. تختلف في شكل الغريزة وتجتمع في نحو الرغبة، رغبة القيادة مثلاً. يقص الدهر مع مضي سنين العمر ولمعان التجاعيد في ملامح الوجه أشكالاً من الأيام، فتارة نفحة عن نفس آثرت على ذاتها الآخرين فخلدت ذكرى من فوق المسافات، وفي أخرى قصة أخرى تستغل كرسياً أو ورثا ذا جذور طيبة لتحقيق أطماع الذات ونشوتها ضير ما أسلف السلف: ‘لأكون الأول، علي الإطاحة بالأول’.رحل آليساندرو جينو ديل بييرو عن دوري بلاده الإيطالي يوم 20 مايو المنصرم راداً الباب في وجه طموح دي لاورنتيس نابولي وغرام برلوسكوني الميلان، متجهاً إلى أستراليا، بلاد لا تراث لمستديرة فيها وتعرف المركولة على هيئة الأمريكية، وضبطاً للنسق نقول أنها كانت بلا تراث كروي قبل الصيف الجاري.بيعت قمصان ‘آلي’ هناك بشغف، وفي أقل من شهر أعلن فريق الألوان السماوية سيدني عبر موقعه الرسمي اضطراره لنقلة أقمشة أخرى بالرقم 10 عن كنية ‘ديل بييرو’، القائد الأسبق لنادي يوفنتوس الإيطالي. وفي افتتاحية الموسم الكروي تلقى ديل بييرو بعض وسوسات الإستهجان، حدثٌ أعاد ريح ذكراه إلى مقالات الصحافة والقنوات التي تنقل عبر شاشتها الرسمية تغريدات تويتر ديل بييرو بلهفة العاشق لا صاحب البث.بدأ اعوجاج المسالك والأساليب فور وصول الوريث الشرعي -الذي يملك على رأس جدول أعماله في الأيام الأخيرة بعض من المعضلات مع الجماهير، مشاكل تتطلب حلاً أو تخفيضاً في الأسعار والأطماع-، حيث حاول آندريا أنييلي منذ أيامه الأولى جسّ النبض وغض الطرف عن تجديد عقد صاحب الـ 321 ضربة شبكية، فصدم بواقعٍ يحكي عبقاً أسطورة ذي قلب واسع لا يحفل بهش الأموال والأرقام.تطايرت الشائعات مطلعَ الموسم الكروي 2010-2011 بأخبار تفيد استغناء النادي عن ديل بييرو. لم تنف الإدارة ما أورد، فخرج ديل بييرو ذو الربيع الثامن والثلاثين بمقطع مصوّر لم يكن يحتاج للسان أو علم مسبق حتى يدخل القلوب معلناً أن الوفاء دربه مهما كان المقابل بخساً، وأنه سيضع بصمته على ورقة فارغة، تماماً كما فعل عند يومه الأول، تاركاً لأصحاب الحسابات التعديل في مزاجيات الأعداد. وضع القائد الجماهير في صفه، وخشيت الإدارة ثورة العشاق في ظل سلسلة الإخفاقات، وعلى الرغم من حضور سوء النية، ما كان أمام سيادة الرئيس إلا التجديد. ولأنه لا بد عن إلحاق الرأي ببرهان الأحداث، أصبح راتب ديل بييرو يساوي مليون يورو، أي ربع ما يتقاضى أماوري وكيليني وتقريب النصف من مرتب ياكوينتا، لافتة تشير حقاً إلى ثبوت سوء النية.الرد، بأنسب الردود ..!
إنتهى الموسم المقصود وتصدر ديل بييرو لائحة هدافي الفريق في أسوأ موسم شهدته أسوار تورينو. رحل ديل نيري وهب نسيم الشباب ب كونتي، وافتتح ديل بييرو الموسم تحت قيادة زميله الأسبق مشاركاً فريقه لهيب البداية برباعية على بارما في اليوفنتوس ستاديوم، رابع الأراضي لدل بييرو في تاريخ البيانكونيري. مضت الأيام وعادت للمخيلات ذكرى الكابوس الذي تخيف ديل بييرو غياهبه، أيام كابيلو. البارحة كانت تحت راحته إمبراطورية تسمى اليوفنتوس واليوم صار حبيساً للدكة مؤثراً كعادته القديمة القشيبة تحدياً شرساً بلغة صمته البارعة.ظلت الأمور بلا شكلٍ ولا عنوان، فنتائج الفريق لفتت الأبصار عن خلو التشكيلة الأساسية من فارس المدينة. لكن، ولأن النفوس كما أسلفنا أصناف بغرائز ومقامات، أخذت اللدغات المرسومة مستهلها عند صافرة البداية أمام الميلان في نصف نهائي الكأس، ورد ديل بييرو برونق لسانه الخاص: هدف.
حتى في أساليب رده ..!مرت الأيام وأخمدت تساؤلات الصحافة: ‘ديل بييرو هو القائد سواءً لعب دقيقة أو ثلاثين’، واتضحت معالم العشاء الفني المعقود أغلب الظن خفيةً عشية موقعة السان باولو، عندما سوّلت لكونتي نفسه الزج بتاريخٍ يبلغ من العمر عقدين بديلاً في تمام الدقيقة الواحدة والتسعين، تاريخ قد لا تطاله أنامله مهما اشرأب شأنه عبر السنين. آثر ديل بييرو الصمت وقد تبسمت نفسه هزلاً، فمعشوق الطليان لا يخسر رهاناً في احترافية التهذيب.ولأن سر الرغبة في الشباب الذي لا ينضب من أعماقه يكمن في غريزة حيوانية لا في وجه ملائكي –كما سطر هو في كلماته ‘لنظل نلعب’- أبى ديل بييرو أن يترك الساحة دون تخليد الذكرى وتجديد الروابط، مكرراً ما أنجزه من قبل أمام شقي ميلانو، هذه المرة أمام لاتسيو من ضربة حرة أبصرها في الشباك قبل أن تكون، هدف البطولة.لطالما كان الرد أهلاً لبرهان سمو المقام، فجائزة لأفضل العدائين ذوقاً وأخرى تتويجاً للشخصية الأكبر شعبية بين فئات العمر الإيطالية عبر قنوات وإحصائيات بمساءلات ليست إلا سطوراً في خاتمة حكاية سرمدية عن شخص لا يعرف معنى الإنسحاب والخضوع، شخص لا تهزمه أحقاد مدرب أو رئيس. حاوِل أنت الآن أن تجمع الظروف والأحوال عن قلب وعقل، بين إحساس ومنطق، وإذا ما طابت بك الأيام رأياً مغايراً مخالفاً عما استشعرت بين السطور، فاعلم أنك قد تعرضت لمؤامرة، تماماً كصاحب البرواز المرفق أعلاه.بعيداً عن هذه القضية وما تركته من أثرٍ سلبي على أداء الفريق داخل الملعب وأجواء النادي خارجه، واصلت الإدارة اختلاق المشاكل قبيل الموعد المنتظر بإصدارها قراراً إلزامياً يشرف على تطبيقه طاقم العاملين في المدرجات الخلفية للمرمى مفاده: ‘يمنع التلويح أو التحريك بالرايات والأعلام واللافتات أو أي وسيلة تشجيع، كما يجب على الجماهير أن تلتزم مقاعدها دون الوقوف’. صدر القرار المذكور بعد أن تقدم أحد الجماهير للإدارة بشكوى يدعي فيها أن الرايات تزعجه وتؤثر على المشاهدين في المدرجات بحيث يشعرون أنهم في مباراة تنس لا كرة قدم.غضبت جماهير الأولتراس من هذا القرار، واعتقدت أن الشخص الذي تقدم بالشكوى للإدارة هو المندوب الذي تطلب الفيفا وجوده في كل فريق بشكل سري، حيث يمثل حلقة الوصل بين الجماهير والإدارة ناقلاً تفاصيل ما يحدث في مدرجات التشجيع، شخص كهذا لا مكان له في الكورفا باعتقاد الأولتراس. أثناء المباراة قررت جماهير الكورفا الغاضبة بفعل الضربتين الموجهتين من الإدارة (غلاء الأسعار ومنع التشجيع) أن ترد على طريقتها، مطلقةً نداءات صارخة باتجاه القاعة التي تجلس فيها الإدارة لمتابعة المباراة، الواقعة فوق مدرجات منتصف الملعب والتي غالباً ما يجلس فيها المشجعون من ذوي الطبقات العليى الذين يأتون للمشاهدة والمتعة، لا للتشجيع طوال المباراة.بدأت جماهير الأولتراس تهتف نحو الإدارة بغضب ‘نحن اليوفنتوس! أتسمعون؟ نحن اليوفنتوس’، وكردة فعل حاولت الجماهير الجالسة تحت المنصة الإدارية أن تدافع عن الإدارة بإسكات الشق الآخر من الجمهور، لكن الأولتراس ارتفع صوته واحتدت كلماته، فردت جماهير ‘التريبونا’ بإشارات مهينة باتجاه الكورفا مشعلة النزاع بين جماهير الفريق ذاته.في النهار التالي للمباراة، تم الكشف بأن الإعتقاد الملحق كان خاطئاً وأن المتقدم للإدارة بطلب منع الرايات مشجع عادي وليس موظفاً من الفيفا. هدأت الاجواء بفضل تحديد الجلسة النهائية للحكم في قضية المدرب كونتي، وانشغل الجميع تحليل أداء الفريق وأسباب تراجع المستوى.لكن الخلاصة مما حدث لا بد وأن يكون عبرةً ودرساً لأنييلي للإدارة، فالفريق يواصل النمو منذ أن عاد لمنصات التتويج العام الماضي بعد سبع سنين من الغياب بسبب قضية الكالشيوبولي، والجماهير تعطي كلّ ما لديها للفريق، الأمر الذي يجب على الإدارة استغلاله بتفادي المشاكل لا باختلاقها. الواقع والتاريخ يحكيان بأن الكورفا لطالما كانت مكان العشاق والمهووسين، والتريبونا هي مجلس من يشاهد المباراة ‘كـفسحة نهاية الأسبوع’اليوفنتوس هو الكيان الأكبر شعبية في إيطاليا بـ 14 مليون مشجعٍ يمثلون ثلث الشعب المتابع للكالشيو، وليس من المنطقي لو قلنا أن 14 مليون شخص يعجزون عن ملء ملعب بـ 40 ألف مقعد، لكن قد يبدو منطقياً لو قلنا أن 14 مليون مشجع ‘فقير’ يعجزون عن ذلك!

لزيارة صفحة الكاتب عبر الفيس بوك (إضغط هنا)

نود ان نسمع أرائكم ووجهات نظركم حول هذا الخبر