مرحـباً أيـّها العالم

0

هذا المحتوى من

RNW

عمود رأي: لمياء المقدم- إذاعة هولندا العالمية – على أطراف أوروبا وتحديدا في الضفة الجنوبية المقابلة لها وعلى مدى العامين الماضيين يهتز العالم على وقع الثورات وتملأ الشاشات صور الدماء والموت والدمار واليتامى والمشردين والدبابات والمجازر والمذابح والقتل والدموع. هولندا ومعها باقي أوروبا تريد أن ترسل رسالة الى أطفالها الذين تابعوا هذه المشاهد على مدى سنتين مفادها: العالم جميل رغم كل شيء.

ينتظم في هولندا خلال هذه الأيام (من 3 الى 14 أكتوبر) أسبوع كتاب الطفل وهو مناسبة سنوية تحتشد فيها المؤسسات الثقافية ودور النشر والمتاحف واتحادات الكتاب ومؤسسات التربية والتعليم وغيرها من المؤسسات من أجل تشجيع الطفل على القراءة واقتناء الكتب. تقام خلال هذا الأسبوع الكثير من الفعاليات الخاصة بالطفل وورشات القراءة والمسابقات الوطنية، وتختار لهذه المناسبة ثيمة محددة كل عام يكلف أحد الكتاب بتأليف كتيب صغير حولها يوزع هدية مع كل كتاب يقتنى. ثيمة هذا العام هي ‘مرحبا أيها العالم’.

لا شك أن الثيمة مختارة بعناية ولا بد أن فريقا من التربويين والخبراء النفسيين ورعاة الطفل قد فكروا جيدا في طريقة يعيدون بها للطفل بهجته بالعالم وثقته بالمستقبل ويغسلون مشهد الموت من عينيه ليحل محله مشهد الحياة.

أتساءل والحال هذه في بلد مثل هولندا تابع فيها الطفل مشاهد متفرقة مما يجري تحت أقدامه من منظار معدل دوما، أتساءل عن اثر ما شاهدناه على الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي علينا، نحن من كان في قلب هذا العالم وليس تحت أقدامه، من مشاهد مروعة وجثث ممزقة ورقاب مقطوعة وعيون منخورة وبطون مبقورة وأنوف مقطوعة وصدور مفتوحة ووووو . رأينا خلال الشهور الماضية ما لم يخطر على بال احد منا انه قد يراه يوما. وتابعنا بأم أعيننا مواقف يهان فيها الإنسان في كبريائه وإنسانيته ونساء يروين قصص اغتصابهن أمام أزواجهن أو آبائهن وجثث متعفنة على قارعات الطرق لأطفال صغار ورضع وأمهات. ماذا سيكون تأثير ما رأينا على مناهجنا الفكرية والفنية والأدبية وعلى علاقتنا بأنفسنا وبالأخر وبالعالم من حولنا؟

منذ يومين عرض التلفزيون صورا من معرض لفنان تشكيلي لوحاته كلها مرسومة بالدم الصافي. الفنان قال ان الفكرة جاءته أثناء مراقبته بقع الدماء الجافة في الشوارع وعلى الأرصفة بعد نقل الجثث, التي كانت في أحيان كثيرة تشبه لوحة تشكيلية، حسب رأيه،. من هنا جاءته فكرة تحويل الدم الى حبر للرسم. قبلها، وتحديدا في بداية هذا العام عرض مغني الروك البريطاني بيته دوهرتي لوحات ومخطوطات له مرسومة بالدم الحقيقي.

المغنية الأمريكية لايدي غاغا ارتدت في إحدى حفلاتها الأخيرة فستانا مصنوعا من اللحم والشحم الخالصين، من تصميم أحد المصممين الهولنديين المعروفين. قطعا ممزقة من اللحم المتدلي على كتفيها وركبتيها وفخذيها بدت شبيهة بما نراه في مشاهد الموت التي تصلنا من سوريا. ولا أستبعد أن يظهر طباخ ماهر يستوحي أكلة فريدة من طعم الدم أو مصمم عطورات يكتشف عطرا برائحة الدم يذكرنا لسنوات قادمة بمرحلة دموية من تاريخنا.

يمكن ان ندرج هذه التقليعات ضمن حملة ‘مرحبا أيها العالم’ للكبار على غرار الحملة التي يتبناها أسبوع كتاب الطفل في هولندا. وقد تكون هذه بالفعل الطريقة المثلى لمعالجة الضرر الذي لحق بحقلنا البصري وذائقتنا الفنية. فتحويل الدال الواحد الى مجموعة مدلولات بديلة من شأنه أن يعدل التصنيف الوظائفي للأشياء في مفاهيمنا فلا يعود منظر اللحم الممزق يحيل في ذاكرتنا الى مشهد الموت المقزز، بل ايضا الى فستان ناعم جميل، ويتحول الدم من مادة منفرة ترمز الى القتل الى حبر للرسم. هم يعالجون أبصارهم وذائقاتهم مما علق بها من دم عربي مسفوك على المحور الجنوبي، فماذا عنا؟
إنها بالتأكيد ليست دعوة للتغاضي عما يجري حولنا وطمر الجرح حيا، لكن أليس من مصلحتنا جميعا أن نرى في الجرح ضحكته؟

يمكنكم التعليق على مقالات الموقع عبر صفحتنا على الفيسبوك:
http://www.facebook.com/hunaamsterdam

نود ان نسمع أرائكم ووجهات نظركم حول هذا الخبر