سجال حول عودة التعليم الدينيّ إلى تونس

0

هذا المحتوى من

تونس – من إسماعيل دبارة – إذاعة هولندا العالمية – السّجال الذي رافق عودة التعليم الديني إلى تونس مطلع العام الدراسي الجاري، اختزل في حدّته صراعا سياسيا وعقائديّا بين نمط مجتمعي تبشّر به حركة النهضة الاسلامية الحاكمة حديثًا، ونمط مجتمعي ورثه التونسيون عن الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة.

في العام 1964، ألغى الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة التعليم الديني ممثلا في جامع الزيتونة الذي يعرف كذلك بالجامع الأعظم، وقام بتوحيد هياكل التعليم راغبًا في تعصيره وجعله مناسبا للحقبة التي ينتمي اليها عصرئذ.

ربما جاءت خطوة بورقيبة تلك مع تطلعات كثير من طلبة جامع الزيتونة نفسه، ممن كانوا يرومون اصلاح التعليم، ولكن الخطوة خلفت سخطًا شديدا لدى آخرين، فالموضوع فسّره كثيرون على أنه ‘محاربة للدين الإسلامي’.

لم يكن التعليم الزيتوني يوم القطع معه بعيدا عن دروب السياسة وسجالاتها التي لا تنتهي، فالزيتونيون أنفسهم اختلفوا كثيرا في موقفهم من تجديد الفكر الديني الذي دعا اليه بورقيبة، وتباينت أيضا ولاءاتهم السياسية. منهم من حاول أن يحافظ على استقلالية المؤسسة وطلابها تجاه الحزب الحر الدستوري بزعامة بورقيبة، ومنهم من انخرط في هذا الحزب وقبلوا بمحاباته في حربه على التعليم الديني.

الجامع الأعظم
يعد جامع الزيتونة أحد أقدم وأشهر المساجد في بلاد الإسلام، أسّسه عبيد اللّه بن الحبحاب سنة 116هـجري الموافق لـ734 ميلاديّا، ولا تعود شهرة جامع الزيتونة إلى الدور الذي قام به كمسجد للصلاة والعبادة فحسب، بقدر ما تعود إلى الدور العلمي والثقافي الذي اضطلع به عبر العصور، إذ اهتمّ بتدريس العلوم الإسلامية.

ويعتبر كذلك أقدم جامعة عربيّة إسلاميّة استمرت تؤدي دورها قرابة ثلاثة عشر قرنا. ويصنف هذا الجامع ضمن قائمة الجامعات الإسلامية الشهيرة مثل الجامع الأزهر في مصر، وجامع القروين في المغرب والجامع الأموي في دمشق، كما كان له دور كبير في تخريج آلاف العلماء على غرار عبد الرحمن بن خلدون والمفكّر محمد الطاهر بن عاشور ومحمد الخضر حسين شيخ جامع الأزهر ومحمد العزيز جعيط ومحرّر المرأة التونسية الطاهر الحداد صاحب كتاب ‘امرأتنا في الشريعة والمجتمع’.

العودة المثيرة

وثيقة ‘استئناف التعليم الزيتوني الأصلي’ التي وقعها ثلاثة وزراء تونسيين، هم وزير التربية ووزير الشؤون الدينية ووزير التعليم العالي في 12 مايو/ أيار 2012، كانت حدثًا فارقا. وتنصّ الوثيقة على أنّ ‘جامع الزيتونة مؤسسة إسلامية علمية تربوية مستقلة غير تابعة للدولة وتتمتع بالشخصية القانونية’.

ولا يُعرف إلى حدّ اللحظة هوية الوزارة التي تشرف على هذا النوع من التعليم، ما دفع بكثيرين الى التخوّف من امكانية اطلاق الحكومة التي تقودها حركة النهضة الاسلامية وكانت صاحبة المبادرة، لتعليم موازٍ، تسيطر عليه بمعية السلفيين.

القسم العربي بإذاعة هولندا العالمية نقل السؤال إلى مستشار وزير الشؤون الدينية في تونس، السيد الصادق العرفاوي، الذي أكد أنّ جامع الزيتونة كمَعلم تؤدّى فيه الشعائر الدينية، فإنه يتبع وزارة الشؤون الدينية من الناحية القانونية، وينظمه قانون المساجد.

ونفى المستشار أن يكون هنالك حاليا نصّ قانوني ينظم مسألة التعليم في جامع الزيتونة، ففي السابق كان الوزير الأول هو من يعيّن امام جامع الزيتونة.

ويعترف بوجود اشكالي قانوني وخلافات حول من يشرف على التعليم في جامع الزيتونة منذ أن قضت محكمة تونسية بعودة هذا النوع من التعليم بعد طول انقطاع.

ويمكن للتعليم الزيتوني أن يكون خارج دور العبادة، وهذا ما يعمل عليه مشيخة جامع الزيتونة المتحمسين لعودة التعليم الديني، اذ تم افتتاح فروع لجامعة الزيتونة في عدد من محافظات تونس، وشهد العام الدراسي الجديد تسجيل الالاف من الطلاب الراغبين في مزاولة التعليم الزيتوني.

ويبدأ التسجيل للأطفال من سن السادسة، ويستمر التلميذ في الدراسة الى سن الثانية عشرة تتوّج بمناظرة التعليم الأساسي، بعدها يدخل المرحلة الأولى من التعليم الزيتوني الأصلي التي تستمر لأربع سنوات تتوّج بالأهلية، تليها مرحلة ثانية بثلاث سنوات تتوّج بشهادة التحصيل(تعادل الثانوية العامة) تليها مرحلة التعليم العالي فيما بعد.

مع الاشارة إلى أن التعليم الزيتوني في تونس لا يكتفي بتدريس العلوم الشرعية والدينية فقط، إنما ينفتح على العلوم التجريبية واللغات وغيرها.

مخاوف العلمانيين
لم يمض قرار السماح بعودة التعليم الزيتوني والذي أشرف عليه رئيس حركة النهضة بنفسه في 12 مايو الماضي في حفل كبير، دون أن يثير مخاوف النخب العلمانية من تهديد واضح لوحدة التعليم وضربٍ للتعليم العمومي.

لكنّ مستشار وزير الشؤون الدينية الصادق العرفاوي ينفي أن يكون التعليم الزيتوني تعليمًا موازيا، ويصف تخوفات العلمانيين بأنها ضرب من ‘الاسلاموفيوبيا’، لأنهم لم يتريثوا حتى تتوضح صورة هذا التعليم وانطلقوا من التحذير من خطورته على المجتمع.

عضو المجلس التأسيسي التونسي عن ‘حزب المسار’ العلماني السيد سمير بالطيب، يرى أن التعليم العمومي يشكو عدّة مشاكل، والإسراع بعودة هذا النوع من التعليم سيعمق أزمة التعليم العمومي، على حدّ تعبيره.

ويقول بالطيب في تصريحات للقسم العربي: ‘اتهامنا بالاسلاموفوبيا لا قيمة له، وعلى وزارة الشؤون الدينية الاهتمام بالمساجد التي استحوذ عليها السلفيون عوضا عن القاء التهم، نحن نحسّ أن التعليم العمومي لا يلقى اهتماما من الحكومة، فوزير التعليم العالي ووزير التربية هرولا الى الاحتفاء بعودة التعليم الزيتوني… نحن أمام تعليم قرآني موجه للأطفال الصغار الى درجة ان وزيرة المرأة ابدت قلقها مما يتعرض له هؤلاء الأطفال’.

الأوقاف تعود أيضا
عودة التعليم الزيتوني الى تونس جاءت في خضم صراع كبير بين الحكومة ومشيخة الجامع برئاسة حسين العبيدي.

الصراح تحوّل إلى المحاكم للبتّ في مدى أهلية مشيخة جامع الزيتونة للإشراف على منظومة التعليم الزيتوني، ورفض شيوخ الزيتونة في وقت سابق اقالة الشيخ حسين العبيدي وتعويضه بشيخ آخر من طرف الحكومة، ومنعوا المسئول الجديد من دخول المسجد الاعظم لإمامة المصلين، وطردوه.

ويعتبر التمويل من القضايا التي تثير الجدل ايضا في مسألة التعليم الزيتوني. فمشيخة الجامع يعتبرون أنّ تمويل هذا التعليم يجب أن يتأتى من مردود أوقاف الجامع الأعظم من أراضٍ وعقارات وهبات، والتي تمت مصادرتها منذ العهد البورقيبي، والتي يطالبون اليوم باسترجاعها.

ويرى عضو المجلس التأسيسي سمير بالطيب أنه لا يستغرب مطالبة المتحمسين للتعليم الزيتوني بعودة الأوقاف، طالما أن رئيس الحكومة الاسلامي حمادي الجبالي، بعث مشروع أمر الى المحكمة الادارية حول مسألة الأوقاف.

الصادق العرفاوي مستشار وزير الشؤون الدينية يرى أنّ المطالبة بإعادة الأوقاف تسرع من طرف الشيخ حسين العبيدي واعتبره ‘مرفوضا’.

فالتعليم الزيتوني انقطع منذ ستين عاما حسب العرفاوي، وكذلك الأوقاف، ‘وعلينا انتظار نصوص قانونية واضحة من المجلس التأسيسي للبت في مسألة التمويل من زوايا علمية وقانونية’، على حدّ تعبيره.

نود ان نسمع أرائكم ووجهات نظركم حول هذا الخبر