زواج القاصرات في اليمن يهدد الطفولة ويغتال المستقبل (2 من 2)

0

هذا المحتوى من

RNW

تحقيق (2 من 2) :عارف أبوحاتم- ينشر بالتزامن مع صحيفة الجمهورية اليمنية*
(أقرأ هنا الجزء الأول من التحقيق) – بالصدفة البحتة تعرفت ‘نجود’ على محاميتها ‘شذى ناصر’ في أروقة المحاكم، كانت المحامية ‘شذى’ في المحكمة تترافع في إحدى قضاياها، بينما سجلت الطفلة ‘نجود’ (10سنوات) أول حالة لفتاة يمنية قاصرة تذهب إلى المحكمة تطلب الطلاق، وجه نجود وصيغة الطلب هز مشاعر المحامية، وشد انتباهها وجود طفلة لا تعرف أن تكتب كلمة ‘طلاق’، سألتها عن قصتها، فكانت الإجابة فاتحة لملف ‘زواج القاصرات في اليمن’، بعد أن استقرت مع زوجها فترة قصيرة في مديرية المحابشة بمحافظة حجة.

ونفس المشكلة الأسرية التي عانتها ‘ريم’ تتكرر مع ‘نجود’، فعند طلبها الطلاق من زوجها الذي يكبرها بـ(20عاماً)، لم تجد في أسرتها من يستمع إليها، ‘لأن الأب يريد حمايتها من الاختطاف’، ففكرت باللجوء إلى القضاء.الطعام مهرها!!قصة زواج ‘أروى’ ذات الثمان سنوات فقط، ليست نتاج خلاف بين والديها، فقد وحد الفقر بينهما، ووجد الأب أن ثمن إنقاذ بقية أفراد أسرته من شبح الجوع المتربص بهم، لن يكون غير تقديم ‘أروى’ كبش فداء، ليصبح مهرها ثمناً لطعام أسرتها، فالديون المتراكمة لصاحب البقالة (30 ألف ريال تقريباً 130 دولار) جعلت والدها يقرر الموافقة على ‘زواج البنت’ لصاحب البقالة مقابل ديونه وبعض من المال.اللقاء بالصدفة والترافع بالمجانالمحامية شذى ناصر التي تطوعت بالترافع عن الفتيات الثلاث بالمحاكم تقول إنها تعرفت على الطفلة المتزوجة ‘نجود’ في المحكمة بالصدفة البحتة، ووجدتها متألمة تشكو من حرمانها طفولتها بالقوة، وإدخالها إلى بيت الزوجية، لتكون مسئولة عن بيت وأولاد وزوج، دون أن تعرف ما معنى الحياة، فوجدت المحامية شذى أن من واجبها تخليص ‘نجود’ من محنتها وتشجيعها على التعليم.وترى ‘شذى’ أن الفقر والعادات والتقاليد تحالفوا ودفعوا أهالي القاصرات إلى تزويجهن.وتلخص دوافع تزويج كل من القاصرات الثلاث؛ ‘ريم’ تزوجت بسبب الخلاف الأسري بين والديها، و’أروى’ زوجها أبوها بثلاثين ألف ريال ثمن القمح والدقيق لإطعام بقية الأسرة، و ‘نجود’ يبرر أبوها زواجها بحمايتها من الاختطاف.اليونسيف تحمل الآباء المسئوليةمدير الإعلام بمنظمة اليونسيف في اليمن ‘نسيم الرحمن’ حمّل الآباء والأمهات مسؤولية ما يحدث من انتهاك لطفولة فتياتهم القاصرات، عند تزويجهن، وما يترتب على ذلك من أضرار جسدية ونفسية واجتماعية.وقال نسيم الرحمن إن الحالات المعلنة لزواج القاصرات في اليمن ‘رمزية’ لحالات كثيرة مخفية، تم زواجهن بدوافع مختلفة ‘فقر وعادات وتقاليد ‘، ونحن جميعاً مسئولون ومذنبون بطريقة أو بأخرى تجاه هؤلاء الفتيات القاصرات’.وأضاف: أكبر ذنب نقترفه هو أن نتجاهل أطفالنا وكثيراً ما يكون هناك ممارسات خاطئة بمبررات اجتماعية ‘عادات وتقاليد’.وحيا نسيم الرحمن ‘القاصرات اللواتي تحدين واقعهن وطالبن بالعودة إلى طفولتهن وبراءتهن’.التشريع السليم ضمان للقاصراترئيسة منتدى الشقائق العربي أمل باشا طالبت بإيجاد تشريع يضمن محاسبة من يقوم بتزويج القاصرات وتقديمه للعدالة، ‘هو ومن يتزوجها’، وعدم حصر المسألة في الجانب التشريعي، وإنما القيام بحملة إعلامية موازية، وتنظيم دورات توعية من قبل المنظمات المدنية المعنية.واعتبرت أن الثقافة الاجتماعية تدفع الرجال نحو الزواج من الفتيات القاصرات، وترك الكبار في عنوستهن.وطالبت وسائل الإعلام إطلاق حملة توعية بأضرار ومخاطر الزواج المبكر، وقالت: على الصحفيين التعامل مع قضايا الزواج المبكر بجدية أكبر، وعدم اعتبارها مناسبات للانفعال والتعاطف دون القيام بواجبهم، تجاه الظواهر السلبية ومنها الزواج المبكر.وانتقدت باشا ما أسمته بـ’الإمتاع الجنسي’ الممارس ضد قاصرات في بعض الفنادق والمراقص (لم تسمها) في محافظة عدن.الضرر في الحمل فقطالدكتور علي المضواحي (طبيب) يقول من الناحية الطبية نفرق بين نوعين من الزواج: الزواج المبكر، والزواج المبتسر.المبكر يمكن أن يقع في سن الـ12، 13،14، وليس فيه أي أضرار صحية على المرأة طالما وهي لا تحمل، لأن الخطر الصحي يحدث عندما يقع الحمل قبل سن الـ18 وبالتالي نحن نقول إذا ارتبط الزواج بالحمل، فيجب أن يتم بعد الـ18سنة.وفي رأيه أن الزواج دون حمل ‘الزواج المبتسر’، ليس فيه ضرر، وهو الذي يحدث قبل سن النضوج، أي في سن الـ12، 13، 14 والمرأة لم تستعد بعد فسيولوجياً أو وظيفياً لعملية الزواج.ويضيف: يجب أن نكون حذرين عند تعاملنا مع هذا النوع من الزواج، ‘حتى عند مطالبتنا بتأخير سن الزواج يجب أن يكون لدينا مبرر صحي واضح يتعلق بالحمل والولادة’.وقال الدكتور المضواحي: نحن لا نشجع على الزواج قبل سن الثالثة عشرة ولا نقول للفتاة متى يجب أن تتزوج، ولكن نوسع دائرة الاختيارات، ومن الناحية العلمية إذا كانت الفتاة تستطيع أن تتزوج وعمرها (15عاماً) لا يمكن أن نقول لها لا تتزوجي إلا بعد (18عاماً).ويؤكد الدكتور المضواحي أن الجانب النفسي يختلف من شخص إلى آخر في مسألة الزواج، وإذا كانت الشابة ذات الـ15 عاماً قادرة على تحمل حياة زوجية من غير إنجاب فهذا أمر طبيعي، فممارسة الجنس في دول الغرب تبدأ من سن الـ13عاماً.لا زواج بضررإذا كان رأي الطب أن لا ضير في زواج قاصرة لا تحمل، فإن رأي علماء الشريعة الإسلامية لا يبتعد كثيراً عن ذلك، ويعتبرون زواج القاصرات غير جائز إذا ثبت فيه ضرر للمتزوجة. فالباحث في العلوم الشرعية فؤاد دحابة قال إن ظهور كثير من الحالات النفسية والاجتماعية تؤكد وجود أضرار ناتجة عن الزواج المبكر، وهذا أمر يدعو إلى عقد مؤتمرات بحثية عاجلة يجتمع فيه علماء الدين والطب والنفس والاجتماع للخروج برؤية واضحة تتماشى مع نتائج هذه الحالات.مشيراً إلى وجود مخارج شرعية لمثل هذا النوع من الزواج، أبرزها ما جاء في المذهب الحنفي الذي قال أنه ‘أيد وجود سن محدد للزواج’، وأضاف: ‘لا أرى وجود إشكال من الناحية الشرعية خاصة إذا ثبت الضرر فلا يجوز تزويج القاصرة، والقاعدة الشرعية العامة هي قول الرسول الكريم: ‘لا ضرر ولا ضرار’.تراجع القانونكثير من المهتمين والمتابعين لقضايا ‘الزواج المبكر’ يعتقدون أن قانون الأحوال المدنية في عهد دولة الوحدة فيه تراجع كبير، لحساب المندفعين نحو هذا النوع من الزواج، فقانون اليمن في الشطر الشمالي ‘سابقاً’ حدد الزواج بـ(16عاماً) للفتاة، شريطة أن تكون ‘صالحة للوطء’، ويمنع تزويجها دون هذه السن، حتى وإن كان ولي أمرها موافق على ذلك، بل حددت المادة (20) عقوبة بالحبس لا تقل عن سنة ولا تزيد عن ثلاث لمن يخالف القانون وأرش يدفع للفتاة القاصر باعتبار تزويجها ‘جناية’.أما قانون الأسرة في الشطرالجنوبي’سابقاً’ فقد حدد سن الزواج للجنسين: الذكر (18عاماً) والفتاة (16عاماً).وجاء قانون الأحوال الشخصية رقم (20) لسنة 1992م في عهد دولة الوحدة مفتوح النص، دون تحديد لسن الزواج، مما دفع بعدد من البرلمانيين والمنظمات المدنية المعنية، إلى المطالبة بإعادة النظر في القانون النافذ، ووضع نص يحدد سن قانونية للزواج.الدكتور عبدالمؤمن شجاع الدين الأستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء يعتبر القانون الحالي – حتى بعد تعديله في 1998م – يمثل تراجعاً عما كان مقرراً في النص السابق، بل يعتبر التعديلات ‘أهدرت مبدأ تحديد سن الزواج الذي كان من المبادئ المستقرة في القوانين اليمنية السابقة’.ومن عجائب القانون الحالي أن مادته الـ(15) نصت: (لا يصح العقد للصغير إلا لمصلحة’!! دون تحديد هذه المصلحة.وتتناقض المادة السابقة مع المادة (22) من ذات القانون التي تنص أن ‘رضا البكر سكوتها’ وبحسب الدكتور شجاع الدين أن رضا الصغير لا يعتد به شرعاً ولا قانوناً، ‘لأنها تجهل مصلحتها’.*ينشر هذا المقال في إطار الشراكة مع صحيفة الجمهورية اليمنية.

نود ان نسمع أرائكم ووجهات نظركم حول هذا الخبر