اليمن تعوّل على الخارج في مواجهة معضلات ما بعد الثورة

0

هذا المحتوى من

RNW

صنعاء: عثمان تراث – إذاعة هولندا العالمية – تحيط باليمن في فترتها الانتقالية الحالية جملة من التحديات والمخاطر السياسية والأمنية الاقتصادية، التي تجعل المرحلة الراهنة واحدة من أكثر المراحل، التي عاشها هذا البلد، حساسية، وتفتح الباب لاحتمالات عديدة، يبدو بعضها سيئا جداً ومخيفا.

الجبهة السياسية والأمنية
على الجبهة السياسية والأمنية لازال الوضع محتقنا بين قوى الثورة الشبابية الشعبية التي اجتاحت اليمن في العام الماضي، وبين القوى التي قامت تلك الثورة ضدها، وعلى رأسها الرئيس السابق علي عبدالله صالح وأفراد أسرته وعائلته، وأتباعه، الذين كانوا، ولا زالوا يتولون مواقع قيادية هامة في المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية.

وعلى ذات الجبهة يستمر الانشطار الخطير في المؤسسة العسكرية، الذي حدث العام الماضي وأدى لانقسام القوات المسلحة اليمنية إلى كتلتين كبيرتين متضادتين، يقود أحداها قائد الحرس الجمهوري نجل الرئيس صالح (أحمد)، فيما يقود الأخرى اللواء على محسن الأحمر قائد الفرقة الأولى مدرع، الذي أعلن، مع قادة عسكريين وأمنيين آخرين في العام الماضي، الانضمام للثورة الشعبية وحمايتها.

وفي جنوب اليمن تزداد المؤشرات على اتجاه الأوضاع أكثر نحو التأزم بسبب شيوع المزاج الانفصالي عند غالبية المواطنين، وتمسك القوى الرئيسية في الحراك الجنوبي بما يسمونه ‘فك الارتباط’ والتحرر من ‘الاحتلال’ اليمني، ونزوع بعض أنصار الحراك للعنف.

وتلعب الجماعات الجهادية، ممثلة في تنظيم القاعدة، وجماعة أنصار الشريعة المرتبطة به، الدور الأكبر في زعزعة الأوضاع الأمنية في مختلف أنحاء اليمن. وعلى الرغم من الانتصارات، التي حققتها قوات الجيش واللجان الشعبية، على هذه الجماعات، وإنهاء سيطرتها على محافظة أبين وبعض مناطق محافظة شبوة، إلا أن العناصر الجهادية كثفت في الفترة، عقب ذلك، من عملياتها الفردية ضد قيادات وضباط وقوات الأمن والجيش واللجان الشعبية، واستطاعت، عبر عدة عمليات انتحارية وتفجيرات، قتل المئات منهم خلال الأشهر الماضية.

المشكلات الاقتصادية
على الصعيد الاقتصادي تعيش اليمن أوضاعاً هي الأكثر صعوبة في العقود الأخيرة الماضية، فقد ألحقت تداعيات الاحتجاجات الشعبية التي استمرت طول العام الماضي، أفدح الأضرار بالاقتصاد اليمني، حينما توقفت الاستثمارات، وفقد اليمن نحو نصف صادراته من النفط بسبب الاعتداءات على أنابيب النقل، وخرج قطاع السياحة بالكامل عن المساهمة في الاقتصاد الوطني، وأدى ذلك الى انخفاض النمو الاقتصادي إلى مستويات سالبة، ووصول معدل التضخم إلى 23.2%، مع انخفاض احتياطي البنك المركزي من النقد الأجنبي بنسبة %24.4، وتعرض الاقتصاد لأزمة خانقة في إمدادات السلع والخدمات الأساسية، وصلت إلى حد الانعدام التام للمشتقات النفطية، وتوقف خدمات الكهرباء في معظم ساعات اليوم.

وتسببت تلك التداعيات، كذلك، في تدهور الأوضاع الإنسانية بشكل حاد، فبلغت نسبة الفقر 54,4%، وصار 44.5% من الأسر اليمنية (أي أكثر من 10 ملايين شخصا) يعانون انعداماً للأمن الغذائي، فيما تصل مستويات سوء التغذية بين الأطفال الى 59%.. فضلا عن ارتفاع معدل البطالة، وبلوغها نسبة 52.9% وسط الشباب.

التعويل على الخارج
في مواجهة كل هذه التحديات والمخاطر السياسية، وبسبب ضعف القدرات الداخلية على معالجة القضايا السياسية الماثلة في ظل التعقيد الذي يفرضه الانقسام السياسي والعسكري الحادث، يجد الرئيس عبدربه منصور هادي ومن خلفه حكومة الوفاق الوطني برئاسة محمد سالم باسندوة، أن خيارهم شبه الوحيد، في الوقت الراهن، هو التعويل على دور المحيط الإقليمي والدولي، في دعم وضمان سير العملية السياسية القائمة على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، والضغط على القوى التي تحاول عرقلة هذا المسار، وإنجاح مهام الفترة الانتقالية الانتقالية، وفي مقدمتها مؤتمر الحوار الوطني المقرر عقده في نوفمبر- تشرين الثاني المقبل، فضلا عن تقديم الدعم لإعادة هيكلة القوات المسلحة وقوات الأمن، بطريقة تؤدي الى إنهاء الانقسام الحادث في صفوفها، وإنهاء هيمنة عائلة صالح وأقربائه عليها.

وفي هذا الصدد ظل الرئيس هادي، يكرر مراراً، أن المجتمع الدولي، يعد شريكا رئيسيا في تنفيذ اتفاق العملية السياسية، باعتباره أن هذه العملية تقوم على المبادرة التي تبنتها دول الخليج، ودعمها وأيدها مجلس الأمن الدولي، والدول دائمة العضوية فيه، ودول الاتحاد الأوروبي.

وتتضخم حاجة صنعاء للدعم الخارجي، عندما يتعلق الأمر بالجانب الاقتصادي، خاصة أن موارد اليمن المحدودة، والتناقص المستمر في إنتاج النفط، الذي يمثل نسبة 95% من الصادرات اليمنية، لا يجعل للحكومة فرصة، في الظروف الراهنة، لمواجهة المعضلات الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة، سوى طلب العون من دول الجوار الخليجي، والمانحين الدوليين.

تخويف المانحين
ولا يكتفي الرئيس هادي، وبقية المسؤولين اليمنيين، بالتشديد على طلب الدعم السياسي والاقتصادي من الخارج، بل أنهم يلجئون في أحيان كثيرة، لتحذير الآخرين من المآلات الخطرة التي يمكن أن تنزلق إليها اليمن في حال لم تجد الدعم اللازم، ويؤكدون أن ذلك سيتسبب في زعزعة أمن واستقرار المنطقة والعالم أجمع، مشيرين باستمرار إلى موقع اليمن بجوار دول الخليج الغنية بالنفط، وإطلالتها على الممر الهام للملاحة الدولية على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وعلى خليج عدن وبحر العرب.

وفي هذا الصدد قال الرئيس هادي خلال جولة أمريكية وأوروبية قام بها الأسبوع الماضي، ‘إن اليمن إذا لم ينجح في ترجمة المبادرة الخليجية، وإنجاح العملية السياسية الجارية حالياً، سوف يذهب الى حرب أهلية، ستكون مشكلة على اليمن والمنطقة والعالم’. وقبل ذلك كان رئيس الوزراء قد حذر المشاركين في افتتاح مؤتمر المانحين الذي انعقد بالرياض في سبتمبر الماضي لدعم اليمن، من عدم تقديم الدعم اللازم، قائلا: ‘العالم كله سيدفع ثمن فشل اليمن، أنتم تعانون من الصومال وتحولهم إلى قراصنة في البحر، اليمنيون سيتحولون إلى قراصنة في البر’.

الدعم المقدم
من جانبه يبدو المجتمع الدولي متعاونا جداً مع السلطات الانتقالية في صنعاء، وحريصا تماماً على إنجاح العملية السياسية. وتجسد الدعم الخارجي لليمن، في مؤتمر الرياض، ومن بعده اجتماع أصدقاء اليمن الذي عقد في 27 سبتمبر- أيلول المنصرم في نيويورك، حيث تعهدت الدول والمنظمات المانحة بتقديم نحو 8 مليارات دولار لتمويل برنامج حكومي يمني، يمتد لمدة عامين حتى سنة 2014، لاستكمال الانتقال السلمي للسلطة، واستعادة الاستقرار السياسي والأمني، وتلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة، وتحقيق الاستقرار والإنعاش الاقتصادي. ووعد المشاركون في مؤتمر المانحين بعقد اجتماع آخر لهم عقب انتهاء الفترة الانتقالية، لجمع الموارد المالية اللازمة لتمويل احتياجات التنمية متوسطة وطويلة المدى.

كما أكد المشاركون دعمهم الكامل لوحدة وسلامة الأراضي اليمنية، وجددوا التزامهم بدعم مساعي تطبيق المبادرة الخليجية، والتسريع بإحراز تقدم في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والإنسانية والأمنية، إضافة الى مساندة قرارات الرئيس هادي المتعلقة بإعادة هيكلة مؤسستي الجيش والأمن، والترتيبات الجارية لانعقاد مؤتمر الحوار الوطني، ومع مواجهة تحديات الإرهاب، حسبما جاء في البيان الختامي الصادر عن اجتماع نيويورك.

السؤال القائم
ويظل السؤال القائم هو: إلى متى ستعتمد اليمن على الخارج في تحقيق طموحاتها السياسية والأمنية وتلبية احتياجاتها الاقتصادية؟ والى أي مدى سيظل هذا الخارج مستعداً لتحمل هذه المسؤولية.

لقد حاول الرئيس اليمني هادي الإجابة على جزء من هذا السؤال عندما قال في كلمته أمام اجتماع أصدقاء اليمن في نيويورك: ‘إن النمو الاقتصادي الحقيقي لن يتحققَ إلا من خلالِ جذبِ الاستثمارات المتعددة التي ستخلقُ فرص العمل وترفد ميزانيةَ الدولة بالموارد وتحدُّ من اعتماد اليمن على المعونات والهبات التي مهما بلغت لن تفي بالنزر اليسير من احتياجاتنا’.

وهذا قول صحيح، لكن جذب الاستثمارات الذي تحدث عنه هادي، يبدو أمرا بعيد المنال في ظل ظروف عدم الاستقرار السياسي والأمني التي تعيشها اليمن حاليا.

نود ان نسمع أرائكم ووجهات نظركم حول هذا الخبر