المغرب: خبز مغشوش معروض على الرصيف

0

هذا المحتوى من

RNW

من الرباط: عزالدين الهادف- إذاعة هولندا العالمية: رغم أن الحكومة المغربية خصصت هذه السنة مبلغ 100 مليون يورو لضمان جودة الخبز، فإن المخابز التقليدية التي تصنع وجبة المغاربة الأولى بامتياز، تفتقد لأبسط شروط السلامة التي تنص عليها القوانين. ‘إذاعة هولندا العالمية’ زارت بعض تلك المخابز لتحقق في تفاصيل التجارة الأكثر رواجاً في المملكة المغربية.


كيف تصنع خبزا مغربيا؟الوصفة ليست سحرية ولا معقدة، تحتاج فقط حفنة من الدقيق وقليلا من الخميرة، تضيف إليهما قليلاً من الماء، وبعد عملية عجن ودلك تحصل على خبزة. تترك بعض الوقت حتى تختمر ثم توضع في الفرن. لن تحتاج إلى خبرة مقدمة برامج الطبخ المغربية الشهيرة ‘شميشة’ لكي تعرف كيف تصنع خبزة في منزلك، لكن أغلبية المغاربة لم يعودوا في حاجة لانتظار العجين حتى يختمر ليصنعوا خبزا منزليا.
حسب إحدى الدراسات تستهلك الأسرة المغربية ما معدله ست خبزات في اليوم. أغلب هذا الخبز يعجن، يخمـّر، يطهى في المخابز التجارية التي انتشرت كالفطر في جنبات المدن، ويباع في المخابز أو عند أصحاب الدكاكين أو بكل بساطة تجده معروضا في الشوارع عند الباعة المتجولين. هذا الخبز غالبا ما يحضر بطريقة صحية في المخابز العصرية التي تخضع لمراقبة اللجان الصحية، لكن في المخابز التقليدية التي تنتشر في أحياء المدن الشعبية، وحيث تنعدم المراقبة، فإن تلك الطرق الصحية آخر ما يفكر فيها الخبازون.
كهوف تصنع خبزنا اليوميفي إحدى المخابز التقليدية بالمدينة القديمة للعاصمة الرباط، يخرج ما يقارب الألف خبزة يوميا من كهف تحت أرضي. الخبازون يبدأون عملهم في الساعات الأولى من الصباح. الخباز الذي التقت به إذاعة هولندا، يأخذ كيسا من الدقيق، يسكبه في إناء كبير، يضيف الخميرة والملح ويبدأ بالدلك. آخر ما يفكر فيه صاحب المخبزة التقليدية هو اقتناء آلة حديثة لصناعة الخبز.
إذاعة هولندا كانت قد قامت بزيارة مجموعة من المخابز التقليدية تحت ذريعة شراء كميات كبيرة من الخبز والحال دائما هي نفسها، الشروط الصحية لصناعة الخبز من بداية العملية إلى نهايتها غير متوفرة. محمد بنقدور رئيس ‘الجامعة الوطنية لجمعيات المستهلكين بالمغرب’ أكد في تصريحات مختلفة سابقة أن تلك الكهوف التي تصنع فيها وجبة المغاربة الأولى تشكل تهديدا حقيقيا على الصحة: ‘هواء تلك المخابز التقليدية مغلق، وأنفاس الخباز يمكن أن تسمعها من الدرج، وحين تقترب منه تتفاجأ بكمية العرق التي تتصبب من جبينه. العرق يختلط بالعجين كما يمكن أن يختلط به غبار أرضية الكهف وجميع الزوائد التي توجد في الدقيق الذي لا تتم غربلته وتنقيته في أغلب الأحيان بسبب ضيق الوقت وعدم توفر عدد كاف من العاملين وأيضا وهذا هو الأساس بسبب لا مبالاة أرباب تلك المخابز’.
صناعة ‘أساسها الغش’الشروط الصحية تنتفي في المكان الذي يصنع فيه الخبز، وتنعدم أيضا في الطريقة التي يعجن بها الخبز ولا يتم احترامها حتى في طريقة الطهي. أغلب تلك المخابز كما أكد بنقدور، تغش في المواد التي تستعملها. لتسهيل نضج الخبز سريعا مثلا فإن أغلبية المخابز تضيف الكثير من الخميرة، وهناك من يعمل على زيادة مادة السكر في العجين لكي ينضج الخبز بسرعة كما يقول أحد الخبازين الذين سبق وسألتهم ‘إذاعة هولندا العالمية’: عندنا ألف خبزة يجب علينا أن نجهزها قبل السادسة صباحا من كل يوم، لذلك نعمل على إضافة كميات زائدة من الخميرة أو السكر حتى نجهز الكمية المطلوبة في الوقت المناسب’.
إذا كان الخباز يفكر أكثر في الوقت، فإنه ينسى أن تلك الخميرة ممكن أن تنتج عنها أضرار كثيرة. الخبز يصبح مذاقه حامضا ويفسد بسرعة. الغش لا يوجد فقط في طريقة استعمال الخميرة، حتى الماء المستعمل في العجين يمكن أن يكون مغشوشا. المخابز تحتاج لمياه كثيرة من أجل العجين، أمام هذه الحاجة، يعمد مجموعة من أصحاب المخابز التقليدية، والعهدة على مجموعة من المواطنين الذين سألتهم ‘إذاعة هولندا’، إلى استعمال مياه الآبار، ويؤكد المسألة محمد بنقدور خبير الاستهلاك: ‘الأمر صحيح ، ففي زيارات تفقدية كثيرة لنا وجدنا الكثير من المخابز تستعمل مياه الآبار الممنوعة لتحضير الخبز’.
أرقام دالّةحكومة بنكيران الإسلامية قررت أن تدعم صناعة الخبز في البلد لضمان السلم الاجتماعي، فقد أعلن الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي أنهم سيخصصون مبلغ مليار درهم، أي حوالي 100 مليون يورو، لدعم وجبة المغاربة الأولى. ثمن الخبزة الواحدة يصل إلى درهم وعشرين سنتيما (حوالي 10 يورو سنت). سنة 2007 عندما حاول أرباب المخابز رفع هذا الثمن قامت الدنيا ولم تقعد حتى تدخلت الدولة من أجل عدم المساس بسعر مادة حاسمة في قضية التوازن الاجتماعي.
الغش في الخبز يتجاوز حدود طريقة عجنه وطهيه ليصل إلى وزن الخبزة وطريقة تسويقها. يستهلك المغربي حسب أرقام الفيدرالية المهنية لأنشطة الحبوب 190 كيلوغراما من الدقيق سنويا. تدعم الدولة الدقيق وفي نفس الوقت تشترط أن يصل وزن الخبزة إلى 200 غراما. لماذا؟ سنويا تدعم الدولة عن طريق صندوق المقاصة ما يقارب 10 مليون طن من دقيق القمح الطري الموجه خصيصا لصناعة الخبز. ما يقارب 200 مليون دولار خصصتها الدولة كدعم لدقيق الخبز سنة 2009، كما تؤكد الفيدرالية المهنية للمشتغلين في قطاع الحبوب والتي تضم أرباب المطاحن، المخابز، الفلاحين والمستوردين للحبوب. ولكن هل يتم فعلا احترام الوزن المحدد في 200 غرام؟
أصحاب المخابز التقليدية التي زارتها ‘إذاعة هولندا العالمية’، ليس لديهم الوقت لكي يزنوا خبزهم خبزة خبزة. فقط بالعين وبالتجربة يستطيع الخباز صنع خبزة يعتقد أن وزنها يعادل الوزن الرسمي الذي عليه أن يحترمه. التقدير بالعين المجردة يجعل الخبز دائما ناقص الوزن: واحدة تزن مائة وثلاثين غراما، وأخرى مائة وخمسين وهكذا إلى أن يخرج الخبز إلى المستهلك المغربي وهو ناقص وزنا وجودة وقيمة غذائية.

نود ان نسمع أرائكم ووجهات نظركم حول هذا الخبر