الشعر النسائى الحضرمى الجزء الثانى

0


 

بقلم/ أبوبكر باخطيب

وفي وسط تلك المفاهيم الاجتماعية السالفة الذكر في الجزء الأول عاشت الشريفة خديجة بنت على الحبشى شانها شأن الحضرميات من بنات جيلها , إلا أنها كانت تختزن في أعماقها مشاعراً فياضة بالحب والأشواق ككائن يملك الأحاسيس ويملك موهبة التعبير عن تلك الأحاسيس فاستطاعت أن تكشف لنا بموهبتها الشعرية وأن تصيغ لنا المعانى الكبيرة بواسطة أدوات التعبير المفهومة في المجتمع فلجأت إلى قرض الشعر الشعبي ونظمته على أصوات الأغاني الشعبية الشائعة نظمت لنا الكثير من الأشعار صبت فيها مشاعرها العاطفية تجاه من تحب دون الإفصاح بصريح العبارة عن حبها فنقرأ معانى الحب فيتجلى في شعرها الحبيب هو الله تعالى وتارة يتجلى لنا النبي محمد ( ص ) وتفصح مرة بحبها لوالدها السيد على الحبشي وتشير حينا أنهم إخوتها الذين نأت بعضهم الغربة وتصرح بحبها لشيخ أبيها ومعلمه  السيد ابوبكر بن عبدالله العطاس المدفون بحريضة وتارة يتجلى لنا ذلك الأنسان الذى اخفت سر حبه وسر اسمه في اعماق قلبها خشية من البوح بالتصريح المباشر باسمه .

وأمام تلك الصور الرائعة والراقية من الحب والتى تحركها لواعج الأشواق يبقى الحنين للقاء بهولاء الأحبة في الدار الآخرة , وتترجم لنا الشريفة خديجة معانى هذه العبارة ( إن المحب يحشر مع من أحب ) فقالت :

في الحديث إن المحب يحشر مع من أحب  …………….  يالله أصلح لنا كل حال

بانقع ســعفه نهـــار الخلـق كل فـــي تعب  ……………..  والصـــــحابه والعيال

مابغين البعد بانحـــشر مــع من قــــــرب  ……………..  إلى رفيعات المعــالى

ولكن حتى يحين ذاك اليوم الموعود هناك أشواق للمحبة تهز قلوب المحبين قالت الشريفة خديجة على صوت ( من حب صاحبه مادور بديله ) :

لي قلب شايــق تحــركه النســايم  ……………..  يتذكر لي في أوقاته علايـــــــم

يا ريتنا الخف في قاعة رجيله

 

ومن بلي في المحبة صار ضايع  ………………  حبــان صيته في الآفـــاق شايع 

حتى من البعد باتسمع عويله

وكل مشتاق ماحد يلومه  ………………..   إذا تذكر صاحبه تقوا عزومه

والشوق في القلب والطاقه قليله

 

ويبقى مفهوم الحب عند الشريفة خديجة ضرباً من ضروب الامتحان والبلاء للقلوب التى تعرف صدق المحبة ومعانيه الحقيقية فقالت على صوت ( يارب بتى العكيه ) :

ماحــد درا ما بحــالـي  ……  بي شوق ماحد رثالي ……  ياهل القلوب الصفيه

من حب صاحبه يتعب  ……  لاحــــد يلوم من حب ……  فان المحبـــــــه بليه

ولكن هل من بلي بالمحبة أن يتلثم برداء الحياء خوفاً من أقوال الناس ونقد المجتمع له ؟؟ أو أن له الحق بالمجاهرة بالحب الحقيقي ذلك الحب الذي يفجر في كوامن النفس منجماً يخرج منه الدرر والجواهر ذلك ما باحت به الشريفة خديجة على صوت ( ياشمس شارقه من فوق سيئون ) وترجمت لنا هذه العبارة فجاءت صوراً جميلة عن معانى سامية لايدرك مكنونها إلا العارف اللبيب فقالت :

من بلي بالمحبه لا يحاذر  …………………………..  بايخرج من اقواله جواهر

بايغني بها وانتم تسمعون

والمحبه لها عندى قواعد  ………………………… غير ماحد معي فيها مساعد

من قدا لي بهم خاطري محنون

يالمغني تفضل رد الجواب  ……………………..   قبل لا عاد يظهر سر غاب

كيرها في الكبد مرشون

وتحلق بنا الشريفة خديجة بين جزيئات متكاملة ومترابطة وترسم لنا بأدوات التعبير البسيطة صوراً رائعة ولوحات زاهية الألوان ومتناسقة الخطوط يشعر المشاهد لهذه اللوحات الفنية بالأعجاب الشديد ويلمس في خطوطها أن هناك معاناة امرأة مترددة تحاول أن تبوح بمكنون سر حبها ولكن مهما حاولت البوح فالنار لا تحرق إلا رجل واطيها وقلب المعنى بالحب هو المولع خاصة حين يكون المحب الذي تعنيه الشريفة خديجة حين قالت :

قلبي المعنـى مــــولع  ………. والعين تدمع  ……….. لا حـل لش يالهــــــــــويه

كم لي قلبي معــــذب  ………  ونـــا مســبب  ………..  والعقـــــــل مني هميــــه

العشق عنــدي فنونه ……….. كافـه ونـونــه …………..  بتيـــت فيـه العكيـــــه

ياحبايب رثوه لحالى  ………. فـي ذا الليـالي  …………..  هيـــا بنظــره اليـــــه

من كل حــــب متيم ………..  في الحب مغرم  ………..  يهـــوى الأمــور العليه

نفسـي بذكر المدينه  ………. دايــم حزينــــه  …………  تشـــــــتاق خير البريه

متى متى اشوف داره ……..  واحضر مزاره  …………  سعف الوجوه الرضيه

 

وهنا يأتي الافصاح عن هذا الحبيب الأسمى وهو حب ملك الكون كله خالق الناس جميعاً من حالة العدم إلى حالة الوجود بين ( الكاف والنون ) والشريفة خديجة افصحت أنها تهوى ( الأمور العليه ) ونفسها تفيض إلى شوقاً حين تذكر ( المدينة ) على صاحبها أفضل الصلاة والسلام وتتمنى أن تزوره بصحبة الوجوه الرضية من الصالحين والأخيار .

وفي جنح الظلام سجع المغني من بيت الجيران بصوت من أصوات الدان ( ياقمر شارق من فوق الأخيار ) فوصل صدى صوته إلى إذني الشريفة خديجة فاهتزت جوانحها له وتململت على فراشها فجفا جفونها الكرئ فلم تهدأ من وجدها الصوفي إلا بعد أن باحت بما في قلبها فقالت :

إيش ذا الصوت لي زعل منامي …………….  شل به شخص سالى عند ذا الجار

من بغا الملتقى ينصت لــــزامي  …………….  يــوم تضرب كأنها حنـــة الطـــار

من شرب في المحبة من مدامي …………….  ما يفند شـــراب الحلو امن القـــار

ما على المحبــــة شــــي ملامي …………….  يالله اســــتر عليهم لاتكشـــف بار 

إنها لحظة من لحظات السكر الصوفي ذلك السكر الذى تخوضه الشريفة خديجة وهو تجربة حياة في سبيل اقتناص لحظة من لحظات الأنس والصفاء فلا مكان ولا زمان عند السكران حينما يقتنص العبور من الصمت إلى الغناء ومن الحزن إلى الفرح , ليس كل من شرب من دنان الخمر الصوفية سكران , وليس كل من سكر بها غنم من لذتها وليس كل من عرف لذتها أشرقت فيه أنوار التجلي فهي معذورة لأنها بليت بحب عظيم حب تغلغل وسط الأحشاء حملها ما لا تطيق من معاناة فلا نلومها حتى لو خافت على ذهاب عقلها ولقد صورت لنا ذلك في هذه الأبيات الشعرية التى قالت فيها :

اعــذروني فاني في المحبــــــــة معذب

اعذروني فانتم تعلمون وصف من حب

من بلي بالمحبــة ما عاد له قوت يطلب

أو أذاكر محبيــــــــه يبكــــــي وينحـب

فان جا الدجا دمعـــي على الخـد يسكب

واذكر ايام شـو ماهي من العمر تحسب

يومنـي بينكم نهـــذف ونوكل ونشــرب

فيش مني وحر الشـوق في القلب يلهب

قل صــبري عســى ايام التـلاقي تقرب

لا تلـومـوني خايــف على العقل يـذهب

 

ومن ذا يلوم محباً على حبه إذا كان المحب يسمومع سمو الحب ؟

وتختلط الأشواق عند الشريفة خديجة وتعيش مع وجدها ومواجيدها لهفة الشوق والحنين وتبث أشواقها وتبوح بما تعانيه لأخيها الذى ذهب عنها وسكن بمدينة المكلا فوجهت اليه رسالة تحمل في طياتها أبيات رقيقة الحروف والمعانى عبرت فيها صدق مشاعرها الأخوية نحوه وتصف فيها معاناتها لعله يشاطرها هذا الإحساس ويشعر بما تعانى منه من غيابه فينصفها بزيارة أو العودة إلى مراعيه الخصبه .

فقالت :

هاك يالمعتني خطي إلى ما المكــــــــلا

بلغه للذي ذكـره به القلـب يحـــــــــــلا

مرحبـــا به مائة آلاف حيــا وســـــهلا

قرة العين لي دايـــم بذكـره تســــــــلا

قل له انا قتلت الشوق ياخـوي قتـــلا

إلى متـى يامنـى قلبـي بك الـدار يملا

فان قلبي من الأشواق في وسط مقلا

حتمية القضاء والقدر الذي تؤمن ونؤمن به مع الشريفة خديجة الحبشي وأن هذا الأمر الذي تعانيه قد قضي به من شاء أن يقضيه في اللوح المحفوظ وهي تقبل ما كان نصيبها قد اختط لها في اللوح المحفوظ فقالت على صوت ( حن يانوب ) :

ذا علينـــــــا مـن الله علينــــا مـكتــــــــــوب

يانســـــيم الصبا هبـي على قلــب متعــــوب

ردي الوقـــت لـي فيه الصفا والشـرح دوب

بانــزيد المســـــامر لي صفا كل مشـــروب

يجمــع الله تلاقينــــــــا مع خــير محبـــوب

بعـدها با تقع فرحــــه وذا قده محســــــوب

عشـــــــــدليه على معيــــان يسقونهـا دوب

والسعف طارحه والخيل في النحر مكثـوب

كل شــــــمراخ يلقي منها زيــر مـربــــوب

ريت لي صيم بادواي به القلب مرعـــــ

اليس هذا الحديث الشيق والممتع عن هذه الشاعرة الحضرمية التي زينت بشعرها الراقى الأرض الحضرمية عامة ومدينة سيئون خاصة هى جزء لا تتجزء من الكنوز الأدبية التى تحتضنها طبقات أرض حضرموت الخير .

أين مؤرخينا الأفاضل وأين باحثين الذين أخذوا على عاتقهم البحث والتنقيب عن هذه الكنوز من هذه الشاعرة الفاضله واعتقد أن هناك الكثيرات أمثال هذه الشريفة لماذ هذا التزمت والتعنت في عدم تعرف المهتمين والمطلعين عليهن فو جدت النية الصادقة وتم البحث لوجدنا جميع أنواع الدرروالجواهر أسيرة بين جدران البيوت الطينة وخلف الأبواب والشبابيك المزخرفة .

أخبار مشابهة:

  1. الشعر النسائى الحضرمى الجزء الأول
  2. حضرموت أولاً … الجزء الأخير ( الخارطة السياسية الحضرمية )
  3. كنوز حضرموت الأدبية – الجزء الثانى
  4. اختتام فعاليات مهرجان الشعر السقطري…..

نود ان نسمع أرائكم ووجهات نظركم حول هذا الخبر